ممثل سماحة المرجع النجفيّ (دام ظله) لوسائل الإعلام



7/6/2026


رحيل طود الفقه.. مرجعيَّة النجف تنعى صمام أمان الأمة وتستذكر إرثه الأبويّ والوطنيّ

خَصَّ ممثلُ سماحة المرجع الدينيّ الشيخ النجفيّ (دام ظله)، ومديرُ مكتبه في النجف الأشرف، سماحة الشيخ عليّ النجفيّ (دام تأييده)، وسائلَ الإعلام بتصريحٍ موسَّعٍ ومفعمٍ بالشجن والشهادات التاريخيَّة، وذلك خلال التغطية الإعلاميَّة الخاصَّة بوفاة المرجع الدينيّ الشيخ الفياض (رضوان الله تعالى عليه). واستذكر سماحته في حديثه الأبعاد الأبويَّة والجهاديَّة للفقيد الكبير، في تقريرٍ مفصَّلٍ يروي تفاصيل هذا المصاب.

رحيلٌ في يوم العهد والبيعة

وأوضح سماحة الشيخ عليّ النجفيّ في حديثه: «في يومٍ تجلَّت فيه أعظم معاني الولاء، وهو يوم الغدير الأغر، فُجعت الأمة الإسلاميَّة والحوزة العلميَّة برحيل شخصيَّةٍ عظيمةٍ طالما شكَّلت ركيزةً أساسيَّةً من ركائز الفكر والتقوى. وجاء نبأ رحيل المرجع الدينيّ الشيخ الفياض (رضوان الله عليه) كصدمةٍ غايةٍ في القسوة على قلوب المحبين والعلماء على حدٍّ سواء. وبالرغم من المتابعة المستمرة لوضعه الصحيّ منذ إصابته بفيروس كورونا، وما عاناه وتألمه طوال تلك الفترة، إلا أنَّ غيابه أحدث فراغاً هائلاً؛ فقد كان وجوده المبارك طوال عقودٍ بمثابة صمام أمانٍ وموضع استقرارٍ واطمئنانٍ للأمة بأسرها، ليرحل في هذا اليوم العظيم، وكما وصفه سماحة الوالد المرجع النجفيّ في بيانه: "ذهب ليُجدِّد البيعة بأمير المؤمنين على حوض الكوثر"».

عصاميَّة العلم.. صياغة المرجعيَّة في أتون المعاناة والتحديات

وأوضح سماحته: «لم يكن طريق المرجعيَّة والاجتهاد مفروشاً بالورود أمام المرجع الراحل (قدس سره)، بل كان نموذجاً فذّاً للعصاميَّة والجهاد العلميّ. لقد شقَّ الشيخ الفياض طريقه في طلب العلم والدراسة الحوزويَّة متحملاً أقسى الظروف المعيشيَّة، ومتجاوزاً تحديات الغربة العاصفة وشظف العيش الذي واجهه طلبة الحوزة العلميَّة في النجف الأشرف في عقودٍ مضت. لم تثنهِ قلة ذات اليد، ولا قسوة الأيام، عن مواصلة الليل بالنهار في البحث والدرس والتأليف؛ بل صهرته تلك المعاناة وصاغت منه سبيكةً فقهيَّةً نادرةً وطوداً علميّاً شامخاً. إنَّ هذا العطاء الذي نراه اليوم، وتلك القامة التي انحنت لها العقول تفرُّداً وتواضعاً، هما نتاج عقودٍ من الصبر الاستثنائيّ والتوكل المطلق على الله، ليكون بحق مدرسةً تلهم الأجيال الصاعدة بأنَّ العلم الحقيقيّ يُولد من رحم المعاناة والتضحية».

دموع المراجع ومصاب الحوزة الجلل

وأوضح ممثل سماحة الشيخ النجفيّ: «لم تكن الفاجعة عاديَّةً، بل هزَّت أركان مرجعيَّة النجف الأشرف؛ إذ تجسَّد عمق المصاب الجلل في ملامح سماحة المرجع الدينيّ الكبير الشيخ بشير حسين النجفيّ (دام ظله)، وهو يذرف الدموع حزناً على رفيق دربه وعضده الفقهيّ. إنَّ دموع المرجع الوالد التي سالت على خديه تختصر حجم الخسارة الكبرى التي مُنيت بها الحوزة العلميَّة، وتؤكد رصانة الرابطة الروحيَّة والعلميَّة بين أعمدة المرجعيَّة العليا، أولئك الذين حملوا معاً أمانة الدين وحفظ كيان الطائفة في أحلك الظروف وأصعب الأزمان».

أبوَّةٌ حانيةٌ وتواضعٌ عزَّ نظيره

وبيَّن سماحته في حديثه: «لقد تميز المرجع الفقيد (قدس سره) بصفاتٍ أخلاقيَّةٍ جعلته قريباً من قلوب الجميع، فقد كان نموذجاً في التواضع الإلهيّ الذي يصعب تصوره. وبشهادة من حظوا بشرف خدمته مراراً وتكراراً، وتقبيل يديه وقدميه الشريفتين، كان الشيخ الفياض يفيض كرماً وأبوَّةً وتفضلاً في تقديم النصح والإرشاد. هذا العالم الجهبذ الكبير، الذي شارف عمره الشريف على المئة عام، كان يبسِّط نفسه ويتعامل مع الصغار والأطفال بالطريقة التي تناسب طفولتهم، بينما يتعامل مع العلماء بعلمه الشامخ، ومع الفضلاء بفضله الواسع، في صورةٍ تجسِّد أسمى مراتب التسامح الإنسانيّ والكمالات الروحيَّة».

بشاشة الوجه وخزين الحكمة

وأضاف سماحة الشيخ النجفيّ في حديثه مع وسائل الإعلام: «إنَّ من يمتلك خزيناً ثقافيّاً وفكريّاً وموروثاً كبيراً كالذي كان يمتلكه الشيخ الفياض، كان قادراً دوماً على إدارة الأزمات والمواقف بروحٍ مرنةٍ ومبتسمةٍ. لقد عُرف عن سماحته بشاشة الوجه، والابتسامة الأبويَّة الصافية، والقدرة العجيبة على تحويل المواقف الصعبة والحرجة إلى ابتسامةٍ أو طرفةٍ أو لطيفةٍ تُبدِّد القلق وتزرع الاطمئنان في نفوس الحاضرين. كان حضوره الشريف يبث الإيجابيَّة، ويحوِّل العقد والانسدادات في الحوارات إلى مساحاتٍ من التفاهم، بفضل رجاحة عقله وحكمته المستمدة من علوم آل محمد (عليهم السلام)».

العراق.. همٌّ دائمٌ وقلبٌ يحترق


وأكد سماحته: «لم يغب العراق، أرضاً وشعباً ومقدساتٍ، عن وجدان المرجع الفقيد في أي لحظةٍ من تاريخه الحافل. فمنذ سقوط النظام البائد وإلى آخر أيام حياته، لم تخلُ جلسةٌ من جلساته، سواء كانت خاصَّةً أم عامَّةً، أو في حضرة المرجع النجفيّ، إلا وكان العراق وهمُّ المواطن العراقيّ البسيط على رأس أولوياته، وفي قلبه ولسانه. كان (قدس سره) يتحسس آلام الناس، ويعيش معاناتهم بقلبٍ محترقٍ، ويتفاعل مع كل ما يمس هذا الشعب ويتأثر به، فلم يبخل يوماً بتقديم النصيحة السديدة، والدعاء المستمر، والتعاطف الصادق، والاهتمام البالغ بشؤون البلاد والعباد».

النظر في وجهه عبادةٌ وتذكرةٌ بالله

وأوضح سماحته في حديثه: «حين يجلس المرء أمام الشيخ الفياض (رضوان الله عليه)، يشعر بحقيقة الأثر الوارد: "النظر في وجه العالم عبادة"؛ فهو مرجعٌ يذكِّرك بالله بمجرد رؤيته، ويربطك بالخالق عزَّ وجلَّ، وينبِّه القلوب، غافلةً كانت أم واعيةً، إلى أخطائها. وكان يدفع بطلبته ومحبيه دائماً نحو تقوية العلاقة مع الله تعالى، والتمسك بالعلم، والتحلي بالفضيلة والخلق الرفيع والتسامح. لقد كان بحق نموذجاً حيّاً ولمحةً مباركةً من عطر محمد وآل محمد (عليهم السلام)، صاغ شخصيته وعلمه بعصاميَّةٍ فذَّةٍ حتى بلغ هذه الذروة من الجلالة والرفعة».

عزاؤنا برعاية صاحب الزمان

وأضاف سماحته: «إنَّ الأمة التي فقدت اليوم مرجعاً وعالماً، وأباً ومربياً، وداعماً وداعياً يرفع يديه إلى السماء لرفع الغمة عن الأمم، لا تجد أمامها في هذا المصاب الفادح إلا التسليم لقضاء الله وقدره، فـ"إنا لله وإنا إليه راجعون، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وحسبنا الله ونعم الوكيل".

وفي غمرة هذا الحزن العاصف، يبقى العزاء والسلوة لقلوب المؤمنين والحوزة العلميَّة في وجود ورعاية أب الطائفة ومولاها الحجة بن الحسن صاحب الزمان (عجل الله فرجه الشريف)؛ فهو الذي يرعى الأمة، وبه البركة، ويرى ويأمر بأمر الله تعالى لحفظ هذه المسيرة الرساليَّة».

اشترك في قناة النجفي تليجرام


أرسال
طباعة
حفـظ